هي القصة القصيرة الأولى و آخر تدوين لي على هيئة حكاية على الورق / إلى الآن !
بين شقاوة وضجيج الصبْيَة المتعالي , و صرخاتهم التي يتيقن المرأ منها سعادتهم , يلعبون ويقضون وقت فراغهم في هذا الفناء , وكأنهم يعتقدون أن الحياة بطول أمَدِها ستفرش لهم ورداً .. هكذا يعتقدون !!. فلا يزال صراخهم عالياً , فيتعالى أكثر , يسمعهم أبناء الجيران , فيأتون على عجل , ليشاركونهم وقتهم وألعابهم .
لكن .. ثمة عيون تراقب المكان , تتأمله , تسرح في تفاصيله , لا يبعدها عن الفناء سوى خطوة , مستترةٌ هناك , خلف النافذة الزجاجية , تفضل العزلة , أبديٌّ حالها , هكذا جُبِلت , وهكذا وَجَدت نفسها في هذه الحياة , إنها قد لا تعي أنها تشاهد أطفالاً مثلها و قد لا تعي أساساً أنها تسكن هذا الجسد لكن ما تعيه أنها جسدٌ فارقته الروح , لا تعلم ما يدور حولها , فهي كرجل آلي , هذا ما تعتقده نفسها و هكذا يسيِّرها عقلها . فهي فتاة أسرها التوحد فخضعت له , استسلمت له , حتى ظروفها أبت أن تعينها , لذا استهوت الجلوس هنا لساعات طويلة , في الصمت الذي يعتري جنبات المكان . تجلس هنا لمجرد الجلوس , أو قد يشعرها هذا المكان بشيءٍ من الحرية التي تفتقدها , فتتأمل حركة الطيور و الزهور التي تترنح سيقانها عند هبوب الرياح , أو "قد" تنتظر زائرها ...
يقف فجأة وكأنه تذكَّر شيئاً , يترك ما بيده من ألعاب , يُسقطها أرضاً دون أدنى شعور , لقد تذكر شيئاً غالياً على نفسه , يتملك وجدانه , لا يستطيع أن يحيا دونه , يسيطر على عقله و إن جرفته طفولته نحو فطرتها , أسرع لهناك , يتتَابع خلفه صوت الصبْيَة الغضبانين , لم يبالي بهم , فتركوه وشأنه , أكملوا لعبهم و أكمل هو طريقه نحوها , نحو العيون التي تأسره بمشاعر لا يجيد وصفها و يعجز عن ترجمتها كل من في الكون , وقف هناك أمام النافذة التي تستقر أمامها (هي) , لمح عيناها الزبرجديتين , اللاتي يغمرها بحر من الألم , تتلاطم أمواجه بقوةٍ لا يراها إلا هو , عيناها اللاتي يجد نفسه فيها أو أنها خُلِقت لأجله , فتشقّ ابتسامته طريقها مرتسمة ً على وجهه و تتراقص نبضات قلبه فرحاً برؤيتها ..!
دون إبداء ردة فعلٍ أو أي مشاعر منها , ترى ابتسامته كما رأت شغفه لرؤيتها قبل لحظات , هذا ما اعتادت عليه , قد لا تعلم معنى وقوفه أمام نافذتها دائماً و لا تعلم لماذا يبتسم فرحاً عندما تكتحل عيناه برؤيتها , لا تعلم شيء سوى أنها في هذا المكان كإناء تملؤه زهور باهته , جفت عروق أغصانها لتتساقط أوراقها كأوراق الخريف الصفراء , اليابسة . لكن ما تعلمه هو أنه دائما ما يأتي هنا ليروي بمشاعره هذه الأزهار التي أصابها جفافٌ حاد , قاسي , لكنها تأبى أن تستجيب لصفاء الماء الذي ينهال عليها بحنان .
لا يرى على ملامحها أي صدىً لابتسامته أو حتى لقدومه لأجلها , لكنه لم يستغرب قط و لم يتعجب , يعرف ما تخبأه دواخلها و يعلم إلى أي مدى تعانقها المعاناة . بتلقائية تامة تتحرك قدماه للداخل , إلى حيث تستقر هي , يفتح الباب بهدوء و يتقدم بخطواته , فيقف صامتاً , يتأملها , يبحث فيها عن نور يبشره بالأمل , لكنها لا تفقه لشيء و لا تستجيب لمن حولها, فيقطع الصمت بحروف يعلم أنها لن تكمل الطريق لمسامعها لكنه يصر على التحدث معها ..
حمد : لطيفة !؟ ( يتنفس بعمق ثم يكمل ) لطيفة , ليش ما تيين تلعبين ويانا ؟ ( صمت لبرهة ) .. انزين حتى لو ما تبين تلعبين , بس تعالي في الحوي ترى الجو حلو ..!
يقف , ينتظر حرفا من شفتيها أو نظرة فتكفيه , لا زال واقفا , ينتظر , لكنه أيقن ككل مرة أنه سيرجع خائباً . ارتسمت على ملا محه البأس و بان في عيونه الحزن عليها و نزف قلبه الصغير أكثر فأكثر . شعر بصوت الصبية يقترب منه , التفت حوله فقد نسِيَ نفسه هنا , إلا أن فُتِح الباب فصاحَبَه صوتهم المزعج الذي أثار سكونها و آذى أذنها الصغيرة , لذا رفعت كفـّيها و سدّت أذنها عما اجتاح محيطها الصامت . رق قلبه عليها و على حالها , حتى بان لين ملامحه . وما إن دفعه أحدهم حتى أفاق ,, سلطان : انت شو تسوي هني ؟؟؟ تخبلت ؟!!! في حد يوقف روحه و يتأمل اليدار ,, يلا يلا بنسير الدكان . .... طعن قلبه بقوة , في الصميم و تعلقت عيناه بها , و كأنه يريد التمسك بها , لا يريد الذهاب معهم بعد أن دفعوه بقوة . لا زال قلبه ينزف و يتألم بشدة احرقت جوفه ( انهم لا يشعرون بها , لا يشعرون بوجودها , من ماذا خلقوا ؟! أحقا لا يشعرون ؟؟! , و إن كان الصمت حليفها لكن أنفاسها مسموعة ! و ظلها واضح على الأرض !! )
بذهابهم عاد الصمت ليسيطر على المكان و يحيط بهذه الفتاة , أما هي فلا زالت تجلس في مكانها , الصبية ذاهبون لا تعلم لأين , ما تراه أن تصرفاتهم توحي بشيء من تمرد الرجولة و لمحات الطفولة التي لا يستطيعون إنكارها , لكن عيناه لا زالتا تحدقان في النافذة الزجاجية من بعيد , فلا يلاحظ " إلا " عيناها اللاتي تغوصان به في أعماق الأحلام الوردية التي يجوبها كلما التقت عيناه باللؤلؤتين التي تتوسط وجهها , فعيناها تلقي به في عوالم بعيدة , كبيرة لن يحتملها طفل صغير لم يعش الحياة بتفاصيلها , هذا ما أيقنه عندما و صلوا للدكان القابع في نهاية الطريق . كلن منهم اختار ما يستمتع بأكله , إلا هو ظل حائراً , لا يعرف ما يختار , ومن أي نوع يأخذ , فهو لا يعرف ما تحب ملهمته الصغيرة أو ما تكره , لكن نظرات الغضب التي لمحها في عيون الصبية جعلته يختار ما يتوقع أنها تحب , رغم أنها لم تبح بذلك يوماً لكن مشاعره تجاهها تبث في نفسه الكثير من كل شيء قد يجده جميلا .
رغم أنها لا تشعر بما حولها , إلا أنها أحيانا تلتفت , تبحث , لترى ابتسامته التي قد تسد فيضان الألم الذي يجتاحها من هنا وهناك , فثمة شيء ما يثير سكونها . فـ عندما يختفي الجميع أو يذهبون تتسلل خفية , تبحث عن لطيفة رغم أنها تعلم أن مستقرها بجوار النافذة الكبيرة , فتغتنم الفرصة لتنقض عليها كأسد ثائر يسيطر عليه الحقد , هكذا هي , جبروتها الذي يتعملق على الفتاة الضعيفة ليبعثر ذرات السكون بصرخات مؤلمة تهتز لها الأوصال , فترضي غرورها الجبان , فـ لطيفة بالنسبة لها شر و شؤم , تكرهها وتكره صمتها الذي يشعرها بأنها تتعمده لكي تثير غضبها , هذا ما تشعر به روحها المتغطرسة . لكن هذه المرة دخــــول حمد شكل صفعة على وجهها الذي بالطبع يخجل من شناعة ما ارتكبته في حق الفتاة المسكينة , أما حمد كان كمن اسكب عليه ماء بارد جمد عروق الدم في جسده , فنطق بصدمةٍ ترافق كلماته : أميــــــــــــــــــــــه ؟؟!!!!! ( يبلع ريقه فالغصه تملأ حناجره ) .. أنتِ اللي تضربينها كل مرة ..؟؟؟؟؟!!
لم يشأ أن يجادل والدته فالصدمة قاسية جدا , مؤلمة , حارقة , أثارت آهاته المكتومه , فأطلق العنان لها . انصرفت أمه دون أن تبرر موقفها , انصرفت وهي تجر خلفها فضيحتها , فقد كشفها الله بعد أن أمهلها , هكذا هم الظالمون في نهاية المطاف تنكشف خططهم المسمومة لذا فإنهم يستحقون كل ما قد يواجههم في المستقبل . لكن حمد الذي شعر أن عيناه امتلأتا دموعا , فلم يعد يرى أي شيء , لكن شيئا وحيدا يراه هو ملاكه الصغير الذي يبكي بصمت مؤلم , محرق , ينتفض له القلب ألماً , فتجسد بداخله شعور لإحتوائها و ضمها بـ صَمْتها , بآهاتها , بدموعها التي تتساقط , لكن يقينه بأن التي أمامه هي عرضه و أمانة يضمها بيته , جعله يطرد ما ارتسم أمامه من رغبات , فاكتفى بالصمت و هو يشاهد بكائها المؤلم . وقوفه أمامها جعله يشعر بأن هذا الشيء هو الوحيد الذي باستطاعته أن يفعله كي يخفف ألمها , يواسيها و يطمأنها من غطرسة الزمان و رياحه العاتية . فقد سُلِب منها الشعور بالأمان , سُلِب منها الحنان , فعاشت دون أن تروى بجرعة كافية تقيها الحاجة الآن و تكفيها عن السؤال , لكنها لم تسأل الحنان أبدا فصمتها هو المتحدث الرسمي عنها و وحدتها قادتها لأنْ تعتزل الآخرين و ترسم حدوداً خاصةً بخارطتها. فلا حنان يوازي حنان والديها الذين تركوها مرغومين غير مخيرين , رحلوا دون توديعها , فالموت ليس له ميعاد . لا تعرف شيئا عن هذا كله لكن دواخلها تفتقدهم و تحن لِـ لُقياهم رغم أنها قد لا تعي من هم , لكنهم كانوا في حياتها شيء مهم , اثبتوا ذاتهم , فملؤوها أملا و حبا , هذا ما تشعر به .!!
كما تمر لحظات اليوم مرت أيام السنين , و ها هي لا تزال تكتنف الصمت , فتجلس أمام نافذة قد اختلفت زواياها عن الماضي , و اختلف مكانها عن السابق , مكان يحيط بها بجدرانه فيزداد شعورها بالأمان فتستكين روحها أكثر ... كما عهدت نفسها و كما عهدها الجميع , فهي لا تزال تجلس أمام النافذة , تتابع , تتأمل , لكنها هذه المرة لم تعد تسمع صخب الأطفال المزعجين و صراخهم , فالصوت الذي يثيرها هو ضجيج محرك سيارته , الذي تترقبه دائما , تستمتع بسماعه وإن كان مزعجا , و لا تستجيب إلا له, هكذا وجدت نفسها الآن و هكذا اضحت مشاعرها فأصبحت تنتشيها وتغرقها في أجمل الأعماق.
يصدر من خلف الباب ضجيجٌ خافت , فتعلم أنه هو , فتستشعر نفسها الأمان و تغدو أكثر حبوراً . يدخل ,, بابتسامة يتخللها فرح عميق , فتسقط عيناه على مَلاكه , الجالسة هناك ,أمام النافذة كعادتها , يقترب منها بقلبه الذي زاده شوقا لها , يلمس أناملها الناعمة , فتشعر بقربه , يمسك ذقنها , يدير وجهها تجاهه , يحدق في عيناها طويلاً, فـ يغرق في بحرها , دون شعور , يشبك أصابعه بأصابع يدها الصغيرة , تستجيب له فتقف لتختلط أنفاسُهم ببعضها , يغلغل أصابع يده الأخرى في شعرها الحريري المنسدل على ظهرها , فتكتسب الدفء و ترتسم على وجهها ابتسامة تعيد له الأمل , لا يتمالك نفسه , فيطبع قبلة على خدها المتورد , الذي ازداد تورداً . تشد من قبضة يدها الممسكة بيده , و قبل أن يمطرها بالقبل ترتمي في حضنه , فيطوِّق جسدها النحيل بيديْه , فتستمع لدقات قلبه المتسارعة , يحاول إبعادها ليقول لها شيئاً , تمتنع , فيقترب من أذنها , يهمس بحروفٍ جعلت دقات قلبها تضطرب , فابتسم بنشوة , يحاول إبعادها عنه ليرى ملامحها التي زادت خجلاً فتمتنع مجدداً , تحكم قبضتها به و كأنها تريد أن تتغلغل في أعماقه , فتسكنه و يصبع مقرها الآمن , هكذا اعتقدت أنها تستطيع أن تفعل عندما احتضنته .!!
بين شقاوة وضجيج الصبْيَة المتعالي , و صرخاتهم التي يتيقن المرأ منها سعادتهم , يلعبون ويقضون وقت فراغهم في هذا الفناء , وكأنهم يعتقدون أن الحياة بطول أمَدِها ستفرش لهم ورداً .. هكذا يعتقدون !!. فلا يزال صراخهم عالياً , فيتعالى أكثر , يسمعهم أبناء الجيران , فيأتون على عجل , ليشاركونهم وقتهم وألعابهم .
لكن .. ثمة عيون تراقب المكان , تتأمله , تسرح في تفاصيله , لا يبعدها عن الفناء سوى خطوة , مستترةٌ هناك , خلف النافذة الزجاجية , تفضل العزلة , أبديٌّ حالها , هكذا جُبِلت , وهكذا وَجَدت نفسها في هذه الحياة , إنها قد لا تعي أنها تشاهد أطفالاً مثلها و قد لا تعي أساساً أنها تسكن هذا الجسد لكن ما تعيه أنها جسدٌ فارقته الروح , لا تعلم ما يدور حولها , فهي كرجل آلي , هذا ما تعتقده نفسها و هكذا يسيِّرها عقلها . فهي فتاة أسرها التوحد فخضعت له , استسلمت له , حتى ظروفها أبت أن تعينها , لذا استهوت الجلوس هنا لساعات طويلة , في الصمت الذي يعتري جنبات المكان . تجلس هنا لمجرد الجلوس , أو قد يشعرها هذا المكان بشيءٍ من الحرية التي تفتقدها , فتتأمل حركة الطيور و الزهور التي تترنح سيقانها عند هبوب الرياح , أو "قد" تنتظر زائرها ...
يقف فجأة وكأنه تذكَّر شيئاً , يترك ما بيده من ألعاب , يُسقطها أرضاً دون أدنى شعور , لقد تذكر شيئاً غالياً على نفسه , يتملك وجدانه , لا يستطيع أن يحيا دونه , يسيطر على عقله و إن جرفته طفولته نحو فطرتها , أسرع لهناك , يتتَابع خلفه صوت الصبْيَة الغضبانين , لم يبالي بهم , فتركوه وشأنه , أكملوا لعبهم و أكمل هو طريقه نحوها , نحو العيون التي تأسره بمشاعر لا يجيد وصفها و يعجز عن ترجمتها كل من في الكون , وقف هناك أمام النافذة التي تستقر أمامها (هي) , لمح عيناها الزبرجديتين , اللاتي يغمرها بحر من الألم , تتلاطم أمواجه بقوةٍ لا يراها إلا هو , عيناها اللاتي يجد نفسه فيها أو أنها خُلِقت لأجله , فتشقّ ابتسامته طريقها مرتسمة ً على وجهه و تتراقص نبضات قلبه فرحاً برؤيتها ..!
دون إبداء ردة فعلٍ أو أي مشاعر منها , ترى ابتسامته كما رأت شغفه لرؤيتها قبل لحظات , هذا ما اعتادت عليه , قد لا تعلم معنى وقوفه أمام نافذتها دائماً و لا تعلم لماذا يبتسم فرحاً عندما تكتحل عيناه برؤيتها , لا تعلم شيء سوى أنها في هذا المكان كإناء تملؤه زهور باهته , جفت عروق أغصانها لتتساقط أوراقها كأوراق الخريف الصفراء , اليابسة . لكن ما تعلمه هو أنه دائما ما يأتي هنا ليروي بمشاعره هذه الأزهار التي أصابها جفافٌ حاد , قاسي , لكنها تأبى أن تستجيب لصفاء الماء الذي ينهال عليها بحنان .
لا يرى على ملامحها أي صدىً لابتسامته أو حتى لقدومه لأجلها , لكنه لم يستغرب قط و لم يتعجب , يعرف ما تخبأه دواخلها و يعلم إلى أي مدى تعانقها المعاناة . بتلقائية تامة تتحرك قدماه للداخل , إلى حيث تستقر هي , يفتح الباب بهدوء و يتقدم بخطواته , فيقف صامتاً , يتأملها , يبحث فيها عن نور يبشره بالأمل , لكنها لا تفقه لشيء و لا تستجيب لمن حولها, فيقطع الصمت بحروف يعلم أنها لن تكمل الطريق لمسامعها لكنه يصر على التحدث معها ..
حمد : لطيفة !؟ ( يتنفس بعمق ثم يكمل ) لطيفة , ليش ما تيين تلعبين ويانا ؟ ( صمت لبرهة ) .. انزين حتى لو ما تبين تلعبين , بس تعالي في الحوي ترى الجو حلو ..!
يقف , ينتظر حرفا من شفتيها أو نظرة فتكفيه , لا زال واقفا , ينتظر , لكنه أيقن ككل مرة أنه سيرجع خائباً . ارتسمت على ملا محه البأس و بان في عيونه الحزن عليها و نزف قلبه الصغير أكثر فأكثر . شعر بصوت الصبية يقترب منه , التفت حوله فقد نسِيَ نفسه هنا , إلا أن فُتِح الباب فصاحَبَه صوتهم المزعج الذي أثار سكونها و آذى أذنها الصغيرة , لذا رفعت كفـّيها و سدّت أذنها عما اجتاح محيطها الصامت . رق قلبه عليها و على حالها , حتى بان لين ملامحه . وما إن دفعه أحدهم حتى أفاق ,, سلطان : انت شو تسوي هني ؟؟؟ تخبلت ؟!!! في حد يوقف روحه و يتأمل اليدار ,, يلا يلا بنسير الدكان . .... طعن قلبه بقوة , في الصميم و تعلقت عيناه بها , و كأنه يريد التمسك بها , لا يريد الذهاب معهم بعد أن دفعوه بقوة . لا زال قلبه ينزف و يتألم بشدة احرقت جوفه ( انهم لا يشعرون بها , لا يشعرون بوجودها , من ماذا خلقوا ؟! أحقا لا يشعرون ؟؟! , و إن كان الصمت حليفها لكن أنفاسها مسموعة ! و ظلها واضح على الأرض !! )
بذهابهم عاد الصمت ليسيطر على المكان و يحيط بهذه الفتاة , أما هي فلا زالت تجلس في مكانها , الصبية ذاهبون لا تعلم لأين , ما تراه أن تصرفاتهم توحي بشيء من تمرد الرجولة و لمحات الطفولة التي لا يستطيعون إنكارها , لكن عيناه لا زالتا تحدقان في النافذة الزجاجية من بعيد , فلا يلاحظ " إلا " عيناها اللاتي تغوصان به في أعماق الأحلام الوردية التي يجوبها كلما التقت عيناه باللؤلؤتين التي تتوسط وجهها , فعيناها تلقي به في عوالم بعيدة , كبيرة لن يحتملها طفل صغير لم يعش الحياة بتفاصيلها , هذا ما أيقنه عندما و صلوا للدكان القابع في نهاية الطريق . كلن منهم اختار ما يستمتع بأكله , إلا هو ظل حائراً , لا يعرف ما يختار , ومن أي نوع يأخذ , فهو لا يعرف ما تحب ملهمته الصغيرة أو ما تكره , لكن نظرات الغضب التي لمحها في عيون الصبية جعلته يختار ما يتوقع أنها تحب , رغم أنها لم تبح بذلك يوماً لكن مشاعره تجاهها تبث في نفسه الكثير من كل شيء قد يجده جميلا .
رغم أنها لا تشعر بما حولها , إلا أنها أحيانا تلتفت , تبحث , لترى ابتسامته التي قد تسد فيضان الألم الذي يجتاحها من هنا وهناك , فثمة شيء ما يثير سكونها . فـ عندما يختفي الجميع أو يذهبون تتسلل خفية , تبحث عن لطيفة رغم أنها تعلم أن مستقرها بجوار النافذة الكبيرة , فتغتنم الفرصة لتنقض عليها كأسد ثائر يسيطر عليه الحقد , هكذا هي , جبروتها الذي يتعملق على الفتاة الضعيفة ليبعثر ذرات السكون بصرخات مؤلمة تهتز لها الأوصال , فترضي غرورها الجبان , فـ لطيفة بالنسبة لها شر و شؤم , تكرهها وتكره صمتها الذي يشعرها بأنها تتعمده لكي تثير غضبها , هذا ما تشعر به روحها المتغطرسة . لكن هذه المرة دخــــول حمد شكل صفعة على وجهها الذي بالطبع يخجل من شناعة ما ارتكبته في حق الفتاة المسكينة , أما حمد كان كمن اسكب عليه ماء بارد جمد عروق الدم في جسده , فنطق بصدمةٍ ترافق كلماته : أميــــــــــــــــــــــه ؟؟!!!!! ( يبلع ريقه فالغصه تملأ حناجره ) .. أنتِ اللي تضربينها كل مرة ..؟؟؟؟؟!!
لم يشأ أن يجادل والدته فالصدمة قاسية جدا , مؤلمة , حارقة , أثارت آهاته المكتومه , فأطلق العنان لها . انصرفت أمه دون أن تبرر موقفها , انصرفت وهي تجر خلفها فضيحتها , فقد كشفها الله بعد أن أمهلها , هكذا هم الظالمون في نهاية المطاف تنكشف خططهم المسمومة لذا فإنهم يستحقون كل ما قد يواجههم في المستقبل . لكن حمد الذي شعر أن عيناه امتلأتا دموعا , فلم يعد يرى أي شيء , لكن شيئا وحيدا يراه هو ملاكه الصغير الذي يبكي بصمت مؤلم , محرق , ينتفض له القلب ألماً , فتجسد بداخله شعور لإحتوائها و ضمها بـ صَمْتها , بآهاتها , بدموعها التي تتساقط , لكن يقينه بأن التي أمامه هي عرضه و أمانة يضمها بيته , جعله يطرد ما ارتسم أمامه من رغبات , فاكتفى بالصمت و هو يشاهد بكائها المؤلم . وقوفه أمامها جعله يشعر بأن هذا الشيء هو الوحيد الذي باستطاعته أن يفعله كي يخفف ألمها , يواسيها و يطمأنها من غطرسة الزمان و رياحه العاتية . فقد سُلِب منها الشعور بالأمان , سُلِب منها الحنان , فعاشت دون أن تروى بجرعة كافية تقيها الحاجة الآن و تكفيها عن السؤال , لكنها لم تسأل الحنان أبدا فصمتها هو المتحدث الرسمي عنها و وحدتها قادتها لأنْ تعتزل الآخرين و ترسم حدوداً خاصةً بخارطتها. فلا حنان يوازي حنان والديها الذين تركوها مرغومين غير مخيرين , رحلوا دون توديعها , فالموت ليس له ميعاد . لا تعرف شيئا عن هذا كله لكن دواخلها تفتقدهم و تحن لِـ لُقياهم رغم أنها قد لا تعي من هم , لكنهم كانوا في حياتها شيء مهم , اثبتوا ذاتهم , فملؤوها أملا و حبا , هذا ما تشعر به .!!
كما تمر لحظات اليوم مرت أيام السنين , و ها هي لا تزال تكتنف الصمت , فتجلس أمام نافذة قد اختلفت زواياها عن الماضي , و اختلف مكانها عن السابق , مكان يحيط بها بجدرانه فيزداد شعورها بالأمان فتستكين روحها أكثر ... كما عهدت نفسها و كما عهدها الجميع , فهي لا تزال تجلس أمام النافذة , تتابع , تتأمل , لكنها هذه المرة لم تعد تسمع صخب الأطفال المزعجين و صراخهم , فالصوت الذي يثيرها هو ضجيج محرك سيارته , الذي تترقبه دائما , تستمتع بسماعه وإن كان مزعجا , و لا تستجيب إلا له, هكذا وجدت نفسها الآن و هكذا اضحت مشاعرها فأصبحت تنتشيها وتغرقها في أجمل الأعماق.
يصدر من خلف الباب ضجيجٌ خافت , فتعلم أنه هو , فتستشعر نفسها الأمان و تغدو أكثر حبوراً . يدخل ,, بابتسامة يتخللها فرح عميق , فتسقط عيناه على مَلاكه , الجالسة هناك ,أمام النافذة كعادتها , يقترب منها بقلبه الذي زاده شوقا لها , يلمس أناملها الناعمة , فتشعر بقربه , يمسك ذقنها , يدير وجهها تجاهه , يحدق في عيناها طويلاً, فـ يغرق في بحرها , دون شعور , يشبك أصابعه بأصابع يدها الصغيرة , تستجيب له فتقف لتختلط أنفاسُهم ببعضها , يغلغل أصابع يده الأخرى في شعرها الحريري المنسدل على ظهرها , فتكتسب الدفء و ترتسم على وجهها ابتسامة تعيد له الأمل , لا يتمالك نفسه , فيطبع قبلة على خدها المتورد , الذي ازداد تورداً . تشد من قبضة يدها الممسكة بيده , و قبل أن يمطرها بالقبل ترتمي في حضنه , فيطوِّق جسدها النحيل بيديْه , فتستمع لدقات قلبه المتسارعة , يحاول إبعادها ليقول لها شيئاً , تمتنع , فيقترب من أذنها , يهمس بحروفٍ جعلت دقات قلبها تضطرب , فابتسم بنشوة , يحاول إبعادها عنه ليرى ملامحها التي زادت خجلاً فتمتنع مجدداً , تحكم قبضتها به و كأنها تريد أن تتغلغل في أعماقه , فتسكنه و يصبع مقرها الآمن , هكذا اعتقدت أنها تستطيع أن تفعل عندما احتضنته .!!
